ممنوع الاكتفاء بالتجارب السطحية
استمعت مؤخرًا إلى حلقة من بودكاست «نصف لاتيه» تتناول رحلة لاعب «ووركرافت 3» الشهير Sky، الذي لُقّب بملك البشر. لم يكن Sky معجزة طفولية، بل سلك طريقًا مليئًا بالعثرات، وتمسّك بشغفه وتصاعده بعد كل هزيمة فصار أسطورة. عندما كنت ألعب «ووركرافت» في صغري كنت أعرف قصصه وقصص Grubby وMoon جيدًا، وكنت أشاهد مبارياتهم لأتعلم الحيل، لكن بعد الاستماع للحلقة أدركت كم كنت «ساذجًا»؛ اكتفيت بالتعامل مع اللعبة كلعبة، شاهدت الكثير من الفيديوهات من دون أن أتعلم قواعد اللعب أو المنافسة أو توازن القوى، ولم أفكر حتى في المشاركة في بطولة محلية.
اليوم أكتشف أن كثيرًا من أموري توقفت عند هذه العقلية السطحية. مثلًا أستخدم ChatGPT لكنني أسأل بطريقتي المعتادة، فلا أحصل على النتيجة المأمولة فأهدر الوقت والجهد. والعنوان نفسه «浅尝辄止» لم أكن أعرف قصته الغوية، كنت أفهمه فقط بأنه «تذوق يسير ثم تراجع».
من منظور جذري، الاستنزاف المتدني يعني أنك توقفت عند الدروس التمهيدية ولم تمارس التدريب المتقدم. السبب العميق هو الخلل في نموذج التفكير ذاته؛ لا نبحث في جذور الأشياء ولا ننطلق من مبادئها الأولى فنقع في الكسل الذهني.
عندما نعي القواعد الأساسية لأي موضوع ثم نعمل سننتهي من الاستنزاف المتدني. مثلًا في البرمجة قد تتيح لك الأطر الجاهزة إطلاق مشروع بسرعة، لكن تحسين التفاصيل وضمان الصلابة يتطلبان فهمًا حقيقيًا لأساسيات الويب بل ولعلوم الحاسوب.
حتى لا نقع في فخ التجربة العابرة، أحتاج إلى:
- إجادة المفاضلة. الوقت أثمن ما نملك، فإذا كانت مهارة ما غير ضرورية أو لا تستحق الاستثمار (تعلمها يأخذ وقتًا أطول من شراء الخدمة)، فلا داعي لتجربتها جزافًا.
- اتباع مبدأ «اكسر الجرّة لتعرف كل شيء». بمجرد أن نقرر خوض تجربة جديدة يجب أن نبذل أقصى ما لدينا، حتى ولو تأخر العائد. كما قال ستيفن تشاو في «ملك الكوميديا»: «الممثل البديل أيضًا ممثل»، فحتى لو لعبت دور ميت عليك أن تعرف كيف تموت.
- استخدام فيزياء ورياضيات ونظرية ألعاب لفهم الأشياء. الفهم الجوهري هو ما يرشدك من أين تبدأ إلى أين تنتهي. خذ الاستثمار مثلًا: لا بد من الإلمام بالاقتصاد الجزئي أولًا.
- الاحتكاك بالمحترفين وعدم الخوف من الهزيمة. تعلّم من الآخرين وابنِ آليات تغذية راجعة فعالة: مراجعة الأقران، ملاحظات العملاء… فهي تجعلك ترى موقعك الحقيقي. «غُرٍّبة السيف» لم يتقن القتال إلا بعد آلاف الهزائم.
- حافظ على الشغف. العالم يتغير باستمرار، والتقنيات تتجدد من دون توقف. التعلم الدائم يبقيك مواكبًا ويمنحك روحًا إيجابية.
- المراجعة والتأمل. بعد كل مشروع خصص وقتًا لكتابة ما نجح وما يجب تحسينه وكيف ستحسنه لاحقًا؛ العادة وحدها تكفل التقدم.
تاريخ النشر: 30 أغسطس 2024 · تاريخ التعديل: 14 يناير 2026